علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

307

نسمات الأسحار

بينهم ، فتصير لديهم وضيعا بعد أن تكون رفيعا ، ويقال مثل فلان العالم يمشى إلى فلان ، فعند ذلك تطيعه في أمره ، وتقنع بما عندك من العلم خوفا أن يفوتك حبيب قلبك الذي هو الحطام المجتمع من الرشوة والبواطيل وهدايا الحكام ، هذا إن سلم هذا الذي تميز عنك بالفضيلة ، من أن تقع فيه بتمزيق عرضه وغيبته ، والعيب عليه ، والاعتراض على ما ينقل إليك عنه ، وغير ذلك من الخصال الذميمة ، أين أنت من الاقتداء بالكليم فإنه من الذين قيل فيهم : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] فباللّه قس مرتبة الخضر على مرتبته تجد بين مرتبتيهما عليهما السلام بونا بعيدا ، ومع هذا لم يأنف موسى صلى اللّه عليه وسلم أن يطلب لقاه وقال : لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [ الكهف : 60 ] ، فتأمل القصة أيها الغافل ، وأذعن للحق ، ولا تجادل بالباطل ، واعلم أن فرحك بما أوتيته من العلم من مكيدة الشيطان الغرار ، وقد غرك كما غر من قبلك من الكفار ، وأخبرنا سبحانه وتعالى بذلك لنحذر الاقتداء بهم ، فقال : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [ غافر : 83 ] . فيوشك أن تؤخذ بغتة ، كما أخذوا . سنة اللّه التي قد خلت في عباده قال تعالى حاكيا عمن كان هذا حاله : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً [ الأنعام : 44 ] . فافرح بفضل اللّه ونعمته عليك ومنته التي أسداها إليك ، قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] . وبالجملة : فله مكائد كثيرة يوقع بها كثيرا ممن ينتمى إلى العلم ، وشرح ذلك يطول ، ولا يدرك ذلك إلا بالشيخ السالك طريق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وإياك أن تغتر أن تدرك ذلك بكثرة النظر في كتب القوم والنقول هيهات لا يعرف المنازل إلا من دخلها ونزلها ، ولا المفاوز . إلا من قطعها لا من سمعها ، فاطلب عليه تربح ، وعليك بالتسليم له تنجح ، وإياك أن يغرك الشيطان المغرور ، إن السلوك يحصل بغير شيخ ، ويحسن لك الكسل ، فإني لك من الناصحين ، فتحقق أن ما كل من طالع كتب القوم وعلم أحوالهم صار منهم ، فقد توهمت هذا قبلك حتى يسر اللّه الكريم . وجمعنا بقدرته ، وهو العزيز العليم على الشيخ الصالح الحسيب النسيب